الدّ عاء سلاح المؤمن

الانطلاقات الثلاثة بين موسى
والعبد الصالح
فانطلقا حتّى إذا ركبا في السفينة 1
فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله 2
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهله 3
يسوقنا هذه الانطلاقات الثلاثة إلى الآيات 79- 80 - 81- 82 الكهف
أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم مّلك يأخذ كلّ
سفينة غصبا 79 الكهف 1
وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا 80
فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما 81 الكهف 2
وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لّهما وكان أبوهما صالحا
فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربّك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا 82 الكهف 3
لنأخذ من بين هذه الآيات عدّة كلمات وهم
فأردت أن أعيبها 1
فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا 2
فأراد ربك أن يستخرجا كنزهما 3
القائل هنا هو العبد الصالح وفي قوله
فأردت
نسأل لماذا: قال
فأردت
كأنّه هو الذي يحفظ السفينة بقوّته أو بعلمه عن جميع ما كتب الله على تلك المساكين الذين يعملون في البحر من مضرّات من الملك ورائهم, لنفهم نذهب إلى الانطلاق الرقم الواحد وما جرى أثنائها بينهما لنقرأ
الآية قم 71
فانطلقا حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا
إمرا الكهف.
لو تابعنا نرى أنّ العهد التي تعاهد عليه موسى والعبد الصالح معا هو التي ذكره الله في الآية رقم 70
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى أحدث لك منه ذكرا الكهف
غير أنّ ما انتهت إليه هذه الرحلة ولأوّل مرّة هو التي أدت ختامه إلى ما ذكره الله في الآية رقم 72-73
قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا الكهف
قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا الكهف
والتي يعجب الباحث هو أنّ موسى نبي ورسول ومن أولوا العزم كيف يغلب عليه الدهشة في مثل
قوله
لقد جئت شيئا إمرا
أو قوله
لقد جئت شيئا نكرا
وفي الجواب على ذلك نرى أنّ قول العبد
الصالح
فأردت أن أعيبها
فيها من العجائب ما لا تحصى ولم يخالطه شيئا من الوهم . أ ليس أنّ الله قد ينعم على من شاء من
عباده الصالحين ويعلّمهم من خفايا الأمور ما لا يطلع على ذلك غيرهم من العامة: أ لاّ يجوز كذلك قد يسمح الله ويأذن بفضله على من شاء من الرسل ليفعل ما شاء بإرادته تعالى, أ لا يجوز أن يمحوا الله ما شاء
من ما كتب على أحدكم من شرّ وبلاء بدعاء رجل, لاّ أقول ( وليّ ) ولكن تقيّ صالح منكم لرجل لم يكتب له الله شيئا إلاّ البلوى أو بصدقة ؟
لننتقل إلى الآية رقم 81 قوله
فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا:
كيف تفهمون أو تسمعون قوله فأردنا أن يبدلهما ربّـهـمـا أ لاّ يساوي التبديل هنا " ربّما, من الشرّ إلى الخير بمحو ما كتبت ويريد تبديله العبد الصالح لهما إلى العكس التي يؤدي بالإصلاح
على الأحسن ؟ لا تنسى أنّ القائل هنا أيضا هو العبد الصالح, كأنّه يتشارك ربهما فيما يريد بهما من خيرات ورحمة الخ ويسوقنا ما جرى في هذا الساحة إلى الانطلاق الرقم الثانية لنقرأ الآية رقم 74
فانطلقا حتّى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زّكية بغير نفس لّقد جئت شيئا
نكرا الكهف
لو تابعنا نرى أنّ موسى هنا أصبح فهم هذا الفعل أثقل عليه من الأوّل: وتبعا لقد سبق أن ذكر له الرجل الصالح
عندما استأذنه موسى قبل الرحلة في الآيات 66- 67- 68 الكهف
قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن من ما علمت رشدا 66
قال إنك لن تستطيع معي صبرا 67
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا 68 الكهف
عجائب غرائب أمواجهم تتدفق موجا أرفع ضربا من التي قبله أو بعده, عجز على المغامرة من بينهم مع العبد الصالح
موسى وهو الذي قال في حقه لنقرأ الآية رقم 66
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كلّ فرق كالطود العظيم
الشعراء
تبعا: لقد بيّن له العبد الصالح قائلا
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
لنتابع السياق إلى الانطلاق الرقم الثالث حيث تمّ العهد بينهما كما ذكره الآية رقم 76
قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تـصاحبني قد بلـغت من لدني عذرا
الكهف
لنقرأ الآية رقم
فأراد ربّك أن يبلغا أشدهما
إنّ العبد الصالح هنا قد وكّل الأمر كلّه على الله مباشرة وإلى الله, ويسوقنا ما جرى داخل هذه
الساحة بينهما إلى الانطلاق الأخير في الآية رقم 77
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يـضـيّـفـوهما فوجدا فيها جدارا
يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لو اتخذت عليه أجرا الكهف
قال هدا فراق بين وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا 78 الكهف
الـخـاتـمـة: لـنـفـهـم أو لأفهم أسوقكم إلى الآية رقم 39
يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب الرعد
هل يمحوا الله ما كتب وكيف يمحوا, أ يجوز ليكون عند الإنسان علم ما يمحوا لا أقول بالدّعاء
والصدّقات أو بالأعمال الصالحات فقط مادام هذه التي جرى بين العبد الصالح وموسى, يخرج لنا أمور في هذا البحث المتواضعة وهم
القدر الإرادة المكتوب القضاء الأمر الإلهي
لا يساعدنا على فهم هذه الأمور وأن الله كريم ولطيف بعباده إلاّ ببعض ما جرى بين العبد الصالح في
قوله لموسى
فأردت فأردنا فأراد ربك:
قد نأخذ درسا مفيدا جدّا بما جرى بين موسى والخضر عليهما السلام ومن أهمهم قوله تعالى
ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله
يسير الحديد
اتقوا الله ويعلّمكم الله
هذا العلم التي أنعم الله به عليه بالتقوى على المتقين قد يستطيع بل قد يقدر أهله بإذن الله, على
كثير من خفايا الأمور وإنما أعني في حق كلّ تقيّ حقّا وعلى ذلك فإن قول موسى عليه السلام كما ذكره الآيات 60 – 61 – 62 – 63 – 64
فوجدا عبدا من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
الكهف
به نرى: أن ما سألنا عنه هل يجوز ان يكون عند الإنسان علم ما يمحوا وما يثبت أصبح النظر في
إجازته أو بعدمه إجازة ذلك مطلقا من الجائز مادام قوله في الآية رقم 78
قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل لم تستطع عليه صبرا الكهف
فكّر في موسى من هو وفي نفسك من أنت لترى أنّ ما أعجز فهمه على موسى من هذا العبد الصالح هو التي
يعجز على فهمه بعض العلماء في حق بعض العلماء, فيذكرون في حقهم بما هم عنه بريئين.